الأولىالمنتدىمن نحنملف الصحافةاتصل بنا

اجعلنا صفحة البداية

 

 شبكة طنجة الإخبارية » أخبار طنجة



وجوه طنجة
الإثنين 06-04-2009 04:30 مساء

بقلم : عثمان بن شقرون

العديد من مشاهير الكتاب الذين عبروا طنجة، سواء أقاموا فيها أو تسكعوا وانصرفوا، جنحوا في كتاباهم الى تشبيه طنجة بجانوس Janus (اله الأبواب والمداخل والبدايات، في الميتولوجيا الرومانية. إله بوجهين، الواحد في تجاه معاكس للاخر).

وبغض النظر عن اختلاف خليفات وزاوية نظر هؤلاء فان عين الدهشة، التي يخصبه تاريخ طنجة العريق وسمو موقعها الجغرافي، لم تحل دون التقاطع بالمهارة المطلوبة الخفي من وجوهها التي تصبح مألوفة عند ساكنتها. فلقد استطاع كل حسب هواه ان يجد في عالمها المتغير مصدر البهجة والتألق ومادة لإرضاء فضوله وموضوعا لإبراز وجوهها العديدة في مقابل وجوهها المدوية. فكانت طنجة بالنسبة اليهم ارض التضاد، في الوقت نفسه مادية وروحانية، فاخرة ومنفرة، غامضة وساطعة، يمتزج فيها الافضل بالاسوإ وتتجاور فيها الحداثة الاكثر جلاء بالتقليد الاكثر تخلفا. ومن ثم كانت وجه الشبه بين جانوس وطنجة هي الوجوه العديدة والمفارقة التي تختفي وراء زرقة طنجة الساطعة وجمال مناظرها الطبيعية وسكينة آفاقها. الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا عند زيارته لطنجة في القرن التاسع عشر وبعد اجتيازه المدينة احس بالتيه بكل ما ارى من الألوان الباذخة والنيرة.. وقال: يلزمني امتلاك عشرين يدا لأعطي فكرة عن كل هذا..

بين اليوم والامس لم يتبق من طنجة سوى وجوهها المفارقة، حتى الذين عاشوا وذاقوا عذوبة الحياة في أزمنة طنجة الزاهية لم يعد باستطاعتهم التباهي بذلك طنجة أصبحت اليوم مرآة تتلاطم فيها الوجوه. إنها اليوم تتوفر فيها كل العوامل الكفيلة بطمس أجمل الوجوه الحضرية والحضارية لمدينة ما. فوجوه طنجة المشرقة اليوم تدخل في سبات عميق كذلك الذي تركن اليه مجالسها بين فترة انتخابية وأخرى.

نبرة الحسرة والتأسف على المدينة العالية التي تملأ أحاديث الطنجيين عن نظافة مدينتهم ومساحاتها الخضراء سابقا لايضاهيها إلا ابتهاج عقارييها بصناديقهم الاسمنتية الفاخرة التي يصر أصحابها على أنها فاخرة الى درجة يعمدون فيها الى تعليق لافتات بخط بارز جدا تؤكد ذلك، بعض من يطغى على مزاجه الفكه والمرح لايتوانى بنعت هؤلاء المنعشين بالوجبات السريعة التي انتجتها العولمة، والتي أضحت محلاتها تتناسل كالفطريات، فكم من واحد وبقدرة قادر أصبح منعشا عقاريا في خمسة أيام بدون معلم. لكن البعض هنا لايتفق مع الاسم الذي اختاره هؤلاء للدور الذي يقومون به. تناقض صارخ وغير مقبول ان ينعش المرء مدينة ويعقرها في نفس الوقت، لكنه تناقض منطقي ووجه حقيقي جدا من و جوه طنجة.

في طنجة اليوم وحدهم الموتى من كل الأجناس والأديان مازالوا يحرسون ماتبقى من اراض خضراء. لقد غابت الألوان الطبيعية لتحل محلها صناديق لجمع القمامة وحافلات بنفس اللون ايضا. بعض مداخل المساجد والادارات العمومية تحولت ساحاتها الصغيرة المعشوشبة الى فضاء يركض فيه الاطفال والنساء والشيوخ لم يعد لهم من متنفس سوى المداخل والأبواب والعتبات وكأنه مازالت لديهم روح تعشق الاماكن الفسيحة والخضراء. لجوء وزارة الثقافة الى تصنيف بعض المباني والمنشئات كمعلمات تاريخية دليل آخر على القطع الخضراء قد نفدت بطنجة وان عيون المنعشين بدأت تتجه نحو المنشآت العتيقة رغبة في انعاشها.

أما الجهات التي فوض اليها تدبير أمر جمع النفايات في طنجة فقد أفلحت في تحويل دروبها وشوارعها الى مزبلة كبرى. وبجانب كبير من المهارة أفلحت أيضا في تذويب العداوة التاريخية بين كل من القطط والفئران من جهة وبين الكلاب والقطط من جهة أخرى. وأصبحت صناديق القمامة الخضراء مرتعا للتعايش والتساكن بين الاعداء. ساكنة طنجة ألفت مشهد الازبال وروائحها التي تزكم الانوف لدرجة يكاد يصبح مشهدا طبيعيا لولا تدخل الجهات الصحية التي تنثر مسحوقا أبيض حول صناديق خضراء مهشمة من المفروض ان تكون بدورها داخل صناديق قمامة. ويمكن لأي أحد في طنجة ولو كان غريبا أن يتوصل الى معرفة مكان المطرح العمومي للنفايات باقتفاء رائحة الازبال التي تخلفها شاحنات الشركة الاسبانية على طول الطريق المؤدي اليها من كل نقط المدينة. الزبالة أيضا أصبحت وجها مألوفا من وجوه جانوس.

الخدمات التي تقدمها شركة اسبانية اخرى للنقل الحضري بحافلاتها الحضراء النفاثة قزمت حجم طنجة، وأصبحت من أنجع الوسائل لفك العزلة عن المدار القروي وفك ضلوع راكبيها من المسنين والمسنات. وسيلة مواصلات يحتاج مستعملها لتمارين رياضية قبل امتطائها. أن تمتطي هذا النوع من الكائنات الحديدية الخضراء يعني ان تكون لك القدرة العالية على ضبط التوازن عند الصعود والنزول وعند السير والفرملة المفاجئة، وأن تنقاد لمزاج قائدها الذي يتفضل باختيار المحطة المناسبة للنزول والاشرطة الغنائية الملائمة لضبط الجسد كي لاتتجاذب في كل الاتجاهات إلا على ايقاع مضبوط. ولكي لايصاب المرء أيضا بالغثيان طيلة الرحلة. الشركة الفرنسية التي تبيع ساكنة طنجة الماء والكهرباء وتهتم بتطهير مختلف أنواع السوائل، بدورها فطنت منذ البداية الى كون هذه الساكنة أشد الناس محبة للسهر وأغلب الناس فيها ليليون فاغتنمت الفرصة لتقدم لهم في منتصف كل شهر فاتورات استهلاك تحمل أرقاما خيالية بحجم أحلاهم الكبيرة. وبناء على ذلك فقد فكر الطنجيون أكثر من مرة في الاستغناء عن خدمات الشركة ليلا والسهر على ضوء الشموع، الأمر الذي لم يثن الشركة عن التمادي في أحلامها الخيالية المجنحة.

رغم كل هذا الترهل الذي أصاب عروس الشمال فلا زالت لحسن الحظ على عهدها لاتدير وجوهها لوافد. وستبقى مقفزا للخلاص ومقصدا منشودا ومدينة مثالية للقراصنة وتجار المناسبات وقناصي الفرص ومحطة عبور دائمة للبؤساء الحالمين بالانتقال الى الضفة الاخرى من العالم الراقي. ومرفأ أخيرا لأطفال الشوارع والمشردين ومحترفي التسول والفارين من جحيم التصحر، كل الى مسعاه يشكل وجها من وجوهها العديدة والمفارقة.

 

 التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع
اضغط هنا للكتابة باللغة العربية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية
(موضوعات أخرى)

  عمدة طنجة يحرم 14 ألف شخص من قفة رمضان

  «كنوبس» تجمد اشتراك الموظفين بطنجة إلى حين تسوية وضعيتهم المادية

  تطورات مثيرة في ملف النصب على مديرية الضرائب بطنجة

  طنجة : توزيع الجوائز على الفائزين في المسابقة الإقليمية لحفظ القرآن وتجويده

  المكتب المسير لفريق اتحاد طنجة يجتمع للبث في موضوع الاستقالات

  إفطار جماعي لفائدة نزلاء مركز حماية الطفولة بطنجة

  لائحة الأفلام المتبارية في المسابقة الرسمية للمهرجان المتوسطي للفيلم القصير بطنجة

  عبد اللطيف اللعبي يترأس لجنة تحكيم الدورة الثامنة للمهرجان المتوسطي القصير بطنجة

  فرقة ثيفاوين تحل بطنجة بالعمل المسرحي "أسريورو"

  نفوق الدجاج بسبب الحرارة المفرطة وأخطاره الصحية والبيئية (ولاية طنجة نموذجا)


(زائر)  الخميس 09-04-2009 05:39 مساء


هذا المقال حط على الجرح تماما  فرغم عمري الذي لم يتجاوز 25 الا اني لم اعد اعهد طنجة كسالف عهدها  رحمة الله عليك يا مدينتي



 دخول المنتدى     التسجيل

اسم المستخدم:

كلمة المرور:


 



 حوارات    ضيف خاص


رئيس جمعية أجراس للتنمية والثقافة والفنون الشعبية

وليد عوض مدير مكتب جريدة القدس العربي برام الله

 صوت وصورة


الصحافة في المغرب بين الحرية والخطوط الحمراء

أفضل قناص تسديدات كرة ثابتة في العالم مهارات

 البحث في الموقع
   

 صباح الخير طنجة    ضوء أحمر


ياك حنا قللين الترابي‏

قبح و جمال في صيف عروس الشمال

بقلم: عبد العالي أشرنان

بقلم: الشريف الرطيطبي

 
 مثير للجدل    شظايا

تكميم أفواه العلماء

رمضان ونحن.....

بقلم: عبد الله أفتات

بقلم: نادية الأزمي

 
 يوميات مدمن عاطل    يقال أن

اليوم الخامس

كورنيش طنجة و مآرب اخرى

بقلم: وليد عبد الرحيم

بقلم: مراد حفيان الرص

 
 الطب في بلادنا    الدوام لله

ظاهرة التداوي بالأعشاب

المواطن والأمن ؟

بقلم: زهير البوحاطي

بقلم: الحاج غليمي

 
 عاين باين    واحات

الصوفية في ليالي رمضان طقوس خاصة

قـلـنـا

بقلم: إسماعيل آيت الحسان

بقلم: حميد الأشقر


 مقالات وآراء


فوائد الواسطة !!


ماذا، خسر المغاربة ، بتخلف مستوى إعلامنا السمعي –البصري؟ا


الشهور تعيد نفسها


قدَرُك الآتي .. أنت ترسمُه


 رياضة


إقصاء إ.طنجة من دور سدس عشر كأس العرش

العصبة الجهوية للساحل الشمالي تسيطر على بطولة المغرب للملاكمة

الدفاع الجديدي يتأهل إلى ربع نهاية كأس العرش بعد مباراة ماراطونية

غيريتس يستمتع في بلجيكا والجمهور المغربي يحتج على جامعة الفاسي

كابيللو يرغب في اعتزال التدريب

عائدات قياسية للنادي الملكي

الخلاصات والقنوات



تسجيل الدخول

المستخدم :
كلمة المرور :

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك


جميع الحقوق محفوظة © 2008-2010 شبكة طنجة الإخبارية.
لا مانع من إعادة نشر الأخبار بشرط ضرورة ذكر مصدر "شبكة طنجة الإخبارية".
المواضيع والتعليقات المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي الموقع، و إنما تمثل وجهة نظر كاتبيها. ولن يتحمل الموقع أي تبعة قانونية أو أخلاقية جرّاء نشرها.

Designed & Developed by TINJAH.COM - Powered by: Arab Portal


Display Pagerank
Sitemap