العديد من مشاهير الكتاب الذين عبروا طنجة، سواء أقاموا فيها أو تسكعوا وانصرفوا، جنحوا في كتاباهم الى تشبيه طنجة بجانوس Janus (اله الأبواب والمداخل والبدايات، في الميتولوجيا الرومانية. إله بوجهين، الواحد في تجاه معاكس للاخر).
وبغض النظر عن اختلاف خليفات وزاوية نظر هؤلاء فان عين الدهشة، التي يخصبه تاريخ طنجة العريق وسمو موقعها الجغرافي، لم تحل دون التقاطع بالمهارة المطلوبة الخفي من وجوهها التي تصبح مألوفة عند ساكنتها. فلقد استطاع كل حسب هواه ان يجد في عالمها المتغير مصدر البهجة والتألق ومادة لإرضاء فضوله وموضوعا لإبراز وجوهها العديدة في مقابل وجوهها المدوية. فكانت طنجة بالنسبة اليهم ارض التضاد، في الوقت نفسه مادية وروحانية، فاخرة ومنفرة، غامضة وساطعة، يمتزج فيها الافضل بالاسوإ وتتجاور فيها الحداثة الاكثر جلاء بالتقليد الاكثر تخلفا. ومن ثم كانت وجه الشبه بين جانوس وطنجة هي الوجوه العديدة والمفارقة التي تختفي وراء زرقة طنجة الساطعة وجمال مناظرها الطبيعية وسكينة آفاقها. الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا عند زيارته لطنجة في القرن التاسع عشر وبعد اجتيازه المدينة احس بالتيه بكل ما ارى من الألوان الباذخة والنيرة.. وقال: يلزمني امتلاك عشرين يدا لأعطي فكرة عن كل هذا..
بين اليوم والامس لم يتبق من طنجة سوى وجوهها المفارقة، حتى الذين عاشوا وذاقوا عذوبة الحياة في أزمنة طنجة الزاهية لم يعد باستطاعتهم التباهي بذلك طنجة أصبحت اليوم مرآة تتلاطم فيها الوجوه. إنها اليوم تتوفر فيها كل العوامل الكفيلة بطمس أجمل الوجوه الحضرية والحضارية لمدينة ما. فوجوه طنجة المشرقة اليوم تدخل في سبات عميق كذلك الذي تركن اليه مجالسها بين فترة انتخابية وأخرى.
نبرة الحسرة والتأسف على المدينة العالية التي تملأ أحاديث الطنجيين عن نظافة مدينتهم ومساحاتها الخضراء سابقا لايضاهيها إلا ابتهاج عقارييها بصناديقهم الاسمنتية الفاخرة التي يصر أصحابها على أنها فاخرة الى درجة يعمدون فيها الى تعليق لافتات بخط بارز جدا تؤكد ذلك، بعض من يطغى على مزاجه الفكه والمرح لايتوانى بنعت هؤلاء المنعشين بالوجبات السريعة التي انتجتها العولمة، والتي أضحت محلاتها تتناسل كالفطريات، فكم من واحد وبقدرة قادر أصبح منعشا عقاريا في خمسة أيام بدون معلم. لكن البعض هنا لايتفق مع الاسم الذي اختاره هؤلاء للدور الذي يقومون به. تناقض صارخ وغير مقبول ان ينعش المرء مدينة ويعقرها في نفس الوقت، لكنه تناقض منطقي ووجه حقيقي جدا من و جوه طنجة.
في طنجة اليوم وحدهم الموتى من كل الأجناس والأديان مازالوا يحرسون ماتبقى من اراض خضراء. لقد غابت الألوان الطبيعية لتحل محلها صناديق لجمع القمامة وحافلات بنفس اللون ايضا. بعض مداخل المساجد والادارات العمومية تحولت ساحاتها الصغيرة المعشوشبة الى فضاء يركض فيه الاطفال والنساء والشيوخ لم يعد لهم من متنفس سوى المداخل والأبواب والعتبات وكأنه مازالت لديهم روح تعشق الاماكن الفسيحة والخضراء. لجوء وزارة الثقافة الى تصنيف بعض المباني والمنشئات كمعلمات تاريخية دليل آخر على القطع الخضراء قد نفدت بطنجة وان عيون المنعشين بدأت تتجه نحو المنشآت العتيقة رغبة في انعاشها.
أما الجهات التي فوض اليها تدبير أمر جمع النفايات في طنجة فقد أفلحت في تحويل دروبها وشوارعها الى مزبلة كبرى. وبجانب كبير من المهارة أفلحت أيضا في تذويب العداوة التاريخية بين كل من القطط والفئران من جهة وبين الكلاب والقطط من جهة أخرى. وأصبحت صناديق القمامة الخضراء مرتعا للتعايش والتساكن بين الاعداء. ساكنة طنجة ألفت مشهد الازبال وروائحها التي تزكم الانوف لدرجة يكاد يصبح مشهدا طبيعيا لولا تدخل الجهات الصحية التي تنثر مسحوقا أبيض حول صناديق خضراء مهشمة من المفروض ان تكون بدورها داخل صناديق قمامة. ويمكن لأي أحد في طنجة ولو كان غريبا أن يتوصل الى معرفة مكان المطرح العمومي للنفايات باقتفاء رائحة الازبال التي تخلفها شاحنات الشركة الاسبانية على طول الطريق المؤدي اليها من كل نقط المدينة. الزبالة أيضا أصبحت وجها مألوفا من وجوه جانوس.
الخدمات التي تقدمها شركة اسبانية اخرى للنقل الحضري بحافلاتها الحضراء النفاثة قزمت حجم طنجة، وأصبحت من أنجع الوسائل لفك العزلة عن المدار القروي وفك ضلوع راكبيها من المسنين والمسنات. وسيلة مواصلات يحتاج مستعملها لتمارين رياضية قبل امتطائها. أن تمتطي هذا النوع من الكائنات الحديدية الخضراء يعني ان تكون لك القدرة العالية على ضبط التوازن عند الصعود والنزول وعند السير والفرملة المفاجئة، وأن تنقاد لمزاج قائدها الذي يتفضل باختيار المحطة المناسبة للنزول والاشرطة الغنائية الملائمة لضبط الجسد كي لاتتجاذب في كل الاتجاهات إلا على ايقاع مضبوط. ولكي لايصاب المرء أيضا بالغثيان طيلة الرحلة. الشركة الفرنسية التي تبيع ساكنة طنجة الماء والكهرباء وتهتم بتطهير مختلف أنواع السوائل، بدورها فطنت منذ البداية الى كون هذه الساكنة أشد الناس محبة للسهر وأغلب الناس فيها ليليون فاغتنمت الفرصة لتقدم لهم في منتصف كل شهر فاتورات استهلاك تحمل أرقاما خيالية بحجم أحلاهم الكبيرة. وبناء على ذلك فقد فكر الطنجيون أكثر من مرة في الاستغناء عن خدمات الشركة ليلا والسهر على ضوء الشموع، الأمر الذي لم يثن الشركة عن التمادي في أحلامها الخيالية المجنحة.
رغم كل هذا الترهل الذي أصاب عروس الشمال فلا زالت لحسن الحظ على عهدها لاتدير وجوهها لوافد. وستبقى مقفزا للخلاص ومقصدا منشودا ومدينة مثالية للقراصنة وتجار المناسبات وقناصي الفرص ومحطة عبور دائمة للبؤساء الحالمين بالانتقال الى الضفة الاخرى من العالم الراقي. ومرفأ أخيرا لأطفال الشوارع والمشردين ومحترفي التسول والفارين من جحيم التصحر، كل الى مسعاه يشكل وجها من وجوهها العديدة والمفارقة.